الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

226

شرح ديوان ابن الفارض

يعني لا ينفك عن القلب وإن اختلفت تجلياتها عليه ، وتجلّت راجع إلى الطرف فتتكشف بتجليات مختلفة فتتعدد منازلها منه أيضا . اه . فما الودق إلّا من تحلّب مدمعي وما البرق إلّا من تلهّب زفرتي [ الاعراب ] وهذا البيت من تتمّة جعل نفسه سماء فإنه أثبت لذاته منازل القمر فيريد أن يثبت لها ما يلزم السماء من الودق والبرق . و « الودق » : المطر . والتحلّب بالحاء المهملة مصدر تحلب المطر ، أي سال . والمدمع : إما مكان الدمع ، أو مصدر ميمي بمعنى الدمع . و « البرق » معروف . وتلهّبه : اضطرابه . والزفرة : اسم مصدر من الزفير وهو إدخال النفس ، والشهيق إخراجه ، أي ليس المطر إلا من سيلان دمعي ، وليس البرق إلا من اتّقاد نفسي . وفي البيت السجع في قوله فما الودق إلا من تحلّب وما البرق إلا من تلهّب ، وفيه طباق معنوي بين البارد والحار المفهومين من الودق والبرق ، وفيه المساواة فإن اللفظ على قدّ المعنى ، وفيه الانسجام التامّ الآخذ بمجامع الأفهام . [ المعنى ] ( ن ) : هذه شكاية حاله في مقام المحبة الإلهية بعد ذكر ما هو فيه من القرب الربّاني فإنه من جهة أن الحق تعالى يحبّه ينعم عليه بالتجليات والمعارف والحقائق ، ومن جهة أنه يحبّ الحق تعالى يبتليه الحق تعالى بالبكاء والنحيب والشهيق واللهيب . اه . وكنت أرى أنّ التّعشّق منحة لقلبي فما إن كان إلّا لمحنتي [ الاعراب ] « أرى » بضم الهمزة بمعنى أظن . و « التعشّق » مصدر تعشق ، أي تكلّف العشق . والمنحة بكسر الميم : العطية . وما : نافية . و « إن » بكسر الهمزة زائدة لتأكيد النفي المفهوم من ما . والمحنة بكسر الميم : البليّة . وأن مع اسمها وخبرها في محل نصب على أنها سادّة مسدّ مفعولي أرى . وجملة أرى أن التعشّق منحة : في محل نصب خبر كان . ولقلبي : صفة لمنحة . واسم كان ضمير يعود إلى التعشّق . ولمحنتي : خبرها متعلق بمحذوف . والاستثناء مفرّغ ، أي فما كان من الأشياء إلا لمحنتي . وفي البيت جناس القلب بين المنحة والمحنة ، والمقابلة بينهما أيضا . [ المعنى ] ( ن ) : يقول : كنت أعلم أن العشق هبة من اللّه لقلبي فلم يكن إلا بلية لي ، فإن التعشّق يقتضي حصول المحبة الإلهية في القلب وهي قربة وطاعة ، ومن هنا يرى العبد السالك أنها منحة له وعطية من اللّه تعالى ، وإنما ذلك وأمثاله من القربات والطاعات بلاء من اللّه تعالى ومحنة للعبد ، كما أن الذنوب والمخالفات بلاء ومحنة أيضا ، كما قال تعالى : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأعراف : الآية